الشوكاني

328

فتح القدير

رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء ، فاستعاذت بالله منه ، و ( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) أي ممن يتقي الله ويخافه ، وقيل إن تقيا اسم رجل صالح ، فتعوذت منه تعجبا ، وقيل إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت ، والأول أولى . وجواب الشرط محذوف : أي فلا تتعرض لي ( قال إنما أنا رسول ربك ) أي قال لها جبريل : إنما أنا رسول ربك الذي استعذت به ، ولست ممن يتوقع منه ما خطر ببالك من إرادة السوء ( لأهب لك غلاما زكيا ) جعل الهبة من قبله لكونه سببا فيها من جهة كون الإعلام لها من جهته ، أو من جهة كون النفخ قام به في الظاهر . وقرأ أبو عمرو ويعقوب وورش عن نافع " ليهب " على معنى أرسلني ليهب لك ، وقرأ الباقون بالهمز . والزكي الطاهر من الذنوب الذي ينمو على النزاهة والعفة ، وقيل المراد بالزكي النبي ( قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ) أي لم يقربني زوج ولا غيره ( ولم أك بغيا ) البغي هي الزانية التي تبغي الرجال . قال المبرد : أصله بغوي على فعول قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة . وقال ابن جنى : إنه فعيل : وزيادة ذكر كونها لم تك بغيا مع كون قولها لم يمسسني بشر يتناول الحلال والحرام لقصد التأكيد تنزيها لجانبها من الفحشاء ، وقيل ما استبعدت من قدرة الله شيئا ، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد هل من قبل زوج تتزوجه في المستقبل أم يخلقه الله سبحانه ابتداء ؟ وقيل إن المس عبارة عن النكاح الحلال ، وعلى هذا لا يحتاج إلى بيان وجه قولها : ولم أك بغيا ، وما ذكرناه من شموله أولى باستعمالات أهل اللغة وما يوجد في محاوراتهم مما يطول تعداده ا ه ( ولنجعله آية للناس ) أي ولنجعل هذا الغلام أو خلقه من غير أب أية للناس يستدلون بها على كمال القدرة ، وهو علة لمعلل محذوف ، والتقدير خلقناه لنجعله ، أو معطوف على علة أخرى مضمرة تتعلق بما يدل عليه قوله سبحانه ( وهو على هين ) وجملة ( قال كذلك قال ربك هو على هين ) مستأنفة ، والقائل هو الملك ، والكلام فيها كالكلام فيما تقدم من قول زكرياء . وقوله ( ورحمة منا ) معطوف على آية : أي ولنجعله رحمة عظيمة كائنة منا للناس لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير ، لأن كل نبي رحمة لأمته ( وكان أمرا مقضيا ) أي وكان ذلك المذكور أمرا مقدرا قد قدره الله سبحانه وجف به القلم ( فحملته ) ها هنا كلام مطوى ، والتقدير : فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته ، وقيل كانت النفخة في ذيلها ، وقيل في فمها . قيل إن وضعها كان متصلا بهذا الحمل من غير مضي مدة للحمل ، ويدل على ذلك قوله ( فانتبذت به مكانا قصيا ) أي تنحت واعتزلت إلى مكان بعيد والقصي هو البعيد . قيل كان هذا المكان وراء الجبل ، وقيل أبعد مكان في تلك الدار ، وقيل أقصى الوادي ، وقيل إنها حملت به ستة أشهر ، وقيل ثمانية أشهر ، وقيل سبعة ( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ) أي ألجأها واضطرها ، ومنه قول زهير * أجاءته المخافة والرجاء * وقرأ شبل " فاجأها " من المفاجأة ، ورويت هذه القراءة عن عاصم ، وقرأ الحسن بغير همز ، وفي مصحف أبى " فلما أجاءها " قال في الكشاف : إن أجاءها منقول من جاء ، إلا أن استعماله قد تعين بعد النقل إلى معنى الإلجاء ، وفيه بعد ، والظاهر أن كل واحد من الفعلين موضوع بوضع مستقل ، والمخاض مصدر مخضت المرأة تمخض مخضا ومخاضا إذا دنا ولادها . وقرأ الجمهور بفتح الميم ، وقرأ ابن كثير بكسرها . والجذع ساق النخلة اليابسة ، كأنها طلبت شيئا تستند إليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق بشئ مما تجده عندها ، والتعريف إما للجنس أو للعهد ( قالت يا ليتني مت قبل هذا ) أي قبل هذا الوقت ، تمنت الموت لأنها خافت أن يظن بها السوء في دينها ، أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان ( وكنت نسيا )